ما الحكمة من تنوع الخلق، الله عز وجل خلق ادم عليه السلام ونفخ فيه من روحه وقبض قبضة من جميع الارض فجاء البشر من نسله مختلفين في الشكل واللون والطباع لحكمة عظيمة وقد قال الله عز وجل في محكم التنزيل : (وَلَو شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالونَ مُختَلِفينَ*إِلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُم…)، واليوم البعض يتسائل ما الحكمة من تنوع الخلق وخلق الناس مختلفين، من الاسئلة التي لكثير من العلماء الاجتهادات حولها من اجل تفسير الحكمة من تنوع الخلق، وقد اختلف العلماء في ارائهم كلا وفق اجتهاده، هذا الامر الذي جعلنا نحاول التعرف على اجابة هذا السؤال ما الحكم من تنوع الخلق للتعرف اكثر على راي اهل العلم في هذا الموضوع الذي شغل بال الكثير من المهتمين في وقتنا الحالي والذين يبحثون بكثرة عن اجابة خاصة بهذا الموضوع، وسوف نضع بين ايديكم اراء العلماء القدامى والحديثين حول اجابة السؤال ما الحكم من تنوع الخلق تابعونا .

ما الحكمة من تنوع الخلق

عن أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ ، مِنْهُمُ الْأَحْمَرُ وَالْأَسْوَدُ وَالْأَبْيَضُ وَالْأَصْفَرُ، وَبَيْنَ ذَلِكَ ، وَالسَّهْلُ وَالْحَزْنُ ، وَالْخَبِيثُ وَالطِّيبُ ) . أخرجه الترمذي (2955) وابن حبان: ( 6160 ) ، وصحّحه الألباني في” الصحيحة ” (1630).

نرى في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ان اختلاف الوان الناس واخلاقهم وهو من خلق الله وتقديره ومناسبة للاصل الذي خرجوا منه، والطينة التي منها خلقوا، فتراب الارض ومناحيها ليس له لون واحد فمنه الابيض والاحمر والاسود والبني وغيره، وهكذا جاءت الوان الناس واشكالهم ما بين الابيض والاحمر والاسود والبني وغيرها من الالوان.

طبائع الارض اختلاف فمنها ما هو وعر وعسير المسلك ومنها السهل الذي تطئه الاقدام ومنها ما بين ذلك، فهكذا اخلاق الناس، منهم اللين والسهل الرفيق ومنهم الصعب عسر الاخلاق ومنهم ما سوى ذلك، ومن الناس الطيب المؤمن والخبيث الكافر وهكذا حال الارض التي خلقوا منها.

وهو ما يدل على قدرة الله عز وجل ذو الجلال والاكرام وعظيم السلطان ان الخلق كلهم مؤمنهم وكافره وسهلهم وحزنهم لا يخرجون عن قبضة الله وقدرته سبحانه وتعالى وسلطانه، بل الكل في ملكه وملكوته مسخر بامره وتقديره، خلق الله البشر على ما شاء من حكمه وجعل خلقهم واختلافهم اية على قدرته ودليل على عظمة الله عز وجل، فهو المتحكم والقادر الذي يخلق ما يشاء ويختار ما كان لاحد من خلقه شئ من الخيرة في خلقه وامره سبحان الله ما بين الكاف والنون كن فيكون، وجاء في القران الكريم   ( أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) الأعراف/54 ، وقال تعالى : ( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) القصص/68 ، وقال تعالى : ( وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ ) الروم/22 .
قال العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله ، في ” أضواء البيان ” (6/ 173) :
” وَقَوْلُهُ: وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ، قَدْ أَوْضَحَ تَعَالَى فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ اخْتِلَافَ أَلْوَانِ الْآدَمِيِّينَ وَاخْتِلَافَ أَلْوَانِ الْجِبَالِ ، وَالثِّمَارِ ، وَالدَّوَابِّ ، وَالْأَنْعَامِ ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ ، وَاسْتِحْقَاقِهِ لِلْعِبَادَةِ وَحْدَهُ ، .. وَاخْتِلَافُ الْأَلْوَانِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ غَرَائِبِ صُنْعِهِ تَعَالَى وَعَجَائِبِهِ ، وَمِنَ الْبَرَاهِينَ الْقَاطِعَةِ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْمُؤَثِّرُ جَلَّ وَعَلَا ، وَأَنَّ إِسْنَادَ التَّأْثِيرِ لِلطَّبِيعَةِ مِنْ أَعْظَمِ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ “انتهى .
وعلى كل حال : فالواجب على المؤمن أن يسلم لله سبحانه تعالى حكمته البالغة في خلقه وأمره ، فما تبين لنا منها ، حمدنا الله على ما بين لنا من مراده وحكمه ، وما زاد المؤمن ذلك إلا إيمانا وتسليما ، وما خفي علينا أمره ، فوضناه إلى عالمه ، وآمنا به : ( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ) آل عمران/7 .
والله أعلم