هذا الذي تعرف البطحاء وطأته، تعتبر هذه القصيدة من القصائد التي تسبب بسجن صاحبها، حيث انها من قصائد الهجاء بالملوك، والذي قام بكتابتها الفرزدق، عاش حياته في البادية، ونهل منها القوة والتعالي والكرم، وتنقل في حياته من خليفة لآخر ومن أمير لآخر، وعاش حياته متقلباً في قصائده، ففي بعض الاحيان تجده يمدح خليفة أو أمير، ثم تجده ينقلب عليه فيقوم بنظم قصائد هجاء له، ثم ينقلب مرة أخرى فيعود لمدح هذا الخليفة، ومن اكثر ما عرف عن الفرزدق حبه لآل محمد، حيث كان دائم المجاهرة بحبهم، وكانت عاطفته الدينية قوية جداً تجاه اسرة رسول الله، كما كان من اشهر شعراء الهجاء، وكان من جماعة شعراء النقائض، وهم الشعراء الذين كانوا ينظموا قصيدة يتفاخرون فيها بقبيلتهم، ليأتي شاعر اخر للرد عليهم بقصيدة أخرى، بحيث يكون لها نفس وزن القصيدة الاولى وقافيتها، وهذا الشعر كان سائداً بشكل كبير عند الشعراء الامويين، الذي كان الفرزدق أحدهم، وما يميز شعر الفرزدق قوة الكلمات، وغرابة الشعر، وجزالة العبارات، كما اطلق عليه انه افخر شعراء العرب نظراً لفخامة شعره، وهنا سنتعرف على قصيدة هذا الذي تعرف البطحاء وطأته.

قصيدة هذا الذي تعرف البطحاء وطأته

قيل في مناسبة قصيدة هذا الذي تعرف البطحاء وطأته، ان هشام بن عبد الملك توجه للحج، وحين كان يطوف البيت لم يستطع الوصول للحجر الأسود من كثرة الحجاج، فوضع كرسي وجلس عليه أمام جميع الناس، وفي هذه الاثناء اقبل زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب ليطوف البيت، وعندما وصل للحجر ابتعد جميع الناس حتى يمر اليه بسهولة، وهذا الامر أدى لاستغراب هشام بن عبدالملك، فسال عنه، ورد الفرزدق بالقصيدة التي أدت لإثارة غضب هشام بن عبد الملك وسجن الفرزدق بسببها، وهنا سنتعرف على نص قصيدة هذا الذي تعرف البطحاء وطأته:

هَذا الّذي تَعرِفُ البَطْحاءُ وَطْأتَهُ

وَالبَيْتُ يعْرِفُهُ وَالحِلُّ وَالحَرَمُ

هذا ابنُ خَيرِ عِبادِ الله كُلّهِمُ،

هذا التّقيّ النّقيّ الطّاهِرُ العَلَمُ

هذا ابنُ فاطمَةٍ، إنْ كُنْتَ جاهِلَهُ،

بِجَدّهِ أنْبِيَاءُ الله قَدْ خُتِمُوا

وَلَيْسَ قَوْلُكَ: مَن هذا؟ بضَائرِه،

العُرْبُ تَعرِفُ من أنكَرْتَ وَالعَجمُ

كِلْتا يَدَيْهِ غِيَاثٌ عَمَّ نَفعُهُمَا،

يُسْتَوْكَفانِ، وَلا يَعرُوهُما عَدَمُ

سَهْلُ الخَلِيقَةِ، لا تُخشى بَوَادِرُهُ،

يَزِينُهُ اثنانِ: حُسنُ الخَلقِ وَالشّيمُ

حَمّالُ أثقالِ أقوَامٍ، إذا افتُدِحُوا،

حُلوُ الشّمائلِ، تَحلُو عندَهُ نَعَمُ

ما قال: لا قطُّ، إلاّ في تَشَهُّدِهِ،

لَوْلا التّشَهّدُ كانَتْ لاءَهُ نَعَمُ

عَمَّ البَرِيّةَ بالإحسانِ، فانْقَشَعَتْ

عَنْها الغَياهِبُ والإمْلاقُ والعَدَمُ

إذ رَأتْهُ قُرَيْشٌ قال قائِلُها:

إلى مَكَارِمِ هذا يَنْتَهِي الكَرَمُ

يُغْضِي حَياءً، وَيُغضَى من مَهابَتِه،

فَمَا يُكَلَّمُ إلاّ حِينَ يَبْتَسِمُ

بِكَفّهِ خَيْزُرَانٌ رِيحُهُ عَبِقٌ،

من كَفّ أرْوَعَ، في عِرْنِينِهِ شمَمُ

يَكادُ يُمْسِكُهُ عِرْفانَ رَاحَتِهِ،

رُكْنُ الحَطِيمِ إذا ما جَاءَ يَستَلِمُ

الله شَرّفَهُ قِدْماً، وَعَظّمَهُ،

جَرَى بِذاكَ لَهُ في لَوْحِهِ القَلَمُ

أيُّ الخَلائِقِ لَيْسَتْ في رِقَابِهِمُ،

لأوّلِيّةِ هَذا، أوْ لَهُ نِعمُ

مَن يَشكُرِ الله يَشكُرْ أوّلِيّةَ ذا

فالدِّينُ مِن بَيتِ هذا نَالَهُ الأُمَمُ

يُنمى إلى ذُرْوَةِ الدّينِ التي قَصُرَتْ

عَنها الأكفُّ، وعن إدراكِها القَدَمُ

مَنْ جَدُّهُ دان فَضْلُ الأنْبِياءِ لَهُ؛

وَفَضْلُ أُمّتِهِ دانَتْ لَهُ الأُمَمُ

مُشْتَقّةٌ مِنْ رَسُولِ الله نَبْعَتُهُ،

طَابَتْ مَغارِسُهُ والخِيمُ وَالشّيَمُ

يَنْشَقّ ثَوْبُ الدّجَى عن نورِ غرّتِهِ

كالشمس تَنجابُ عن إشرَاقِها الظُّلَمُ

من مَعشَرٍ حُبُّهُمْ دِينٌ، وَبُغْضُهُمُ

كُفْرٌ، وَقُرْبُهُمُ مَنجىً وَمُعتَصَمُ

مُقَدَّمٌ بعد ذِكْرِ الله ذِكْرُهُمُ،

في كلّ بَدْءٍ، وَمَختومٌ به الكَلِمُ

إنْ عُدّ أهْلُ التّقَى كانوا أئِمّتَهمْ،

أوْ قيل: «من خيرُ أهل الأرْض؟» قيل: هم

لا يَستَطيعُ جَوَادٌ بَعدَ جُودِهِمُ

وَلا يُدانِيهِمُ قَوْمٌ، وَإنْ كَرُمُوا

هُمُ الغُيُوثُ، إذا ما أزْمَةٌ أزَمَتْ،

وَالأُسدُ أُسدُ الشّرَى، وَالبأسُ محتدمُ

لا يُنقِصُ العُسرُ بَسطاً من أكُفّهِمُ؛

سِيّانِ ذلك: إن أثَرَوْا وَإنْ عَدِمُوا

يُستدْفَعُ الشرُّ وَالبَلْوَى بحُبّهِمُ

وَيُسْتَرَبّ بِهِ الإحْسَانُ وَالنِّعَمُ.

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته، من القصائد التي امتدح فيها الفرزدق زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب، واغضبت هشام بن عبد الملك غضباً شديداً، وادت في النهاية لسجن الفرزدق نتيجة نظمه لها، وهذه القصيدة تؤكد حب الفرزدق لآل محمد حيث كان زين العابدين من احفاد علي بن ابي طالب، وعلي ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم.