موضوع الحرب والسلم في الشعر الجاهلي، لقد قدم ادبنا العربي القديم العديد من الصفحات المشرقة من ادب الحرب وقد لعبت الكلمة دور مشرف في كل وقائع القوم، حيث كان الشعر العربي منذ القدم العصور يواكب المعارك والايام والحروب وكان للشعراء دور في المعارك لا يقل عن دور الفرسان فيها، حيث انهم كانوا يحرصون على القتال ويذكرون روح الحمية والحماسة وايضا يشجعون المقاتلون ويستثيرون الهمم والعزائم ويذكرون الامجاد والاحساب، سوف نطرح معا موضوع الحرب والسلم في الشعر الجاهلي.

موضوع عن الحرب والسلم في الشعر الجاهلي

عندما انتهت المعركة رثوا  ابطالها وفرسانها وقد افتخروا بما حققه الجيش من الانتصارات، وما اوقع في جند العدو من هزائم واتخذ الشعراء من ذلك كله وسائل الفخر والاعلان ودعاية على نحو ماتفعله الصحف واجهزة الاعلام المتعددة في ايامنا هذه، حيث ان شعرنا العربي القديم هو شعر المعارك وقد كانت الغارة معلم واضح من معالم الحياة الجاهلية وقد كانت الحروب بين القبائل لا تكاد تهدأ، حيث كان الشعر دائم يواكبها ولا يتخلف عنها في صغيرة ولا كبيرة وذلك هو الذي كان يشغلها ويوقد جذوتها في الكثير من الاحيان، حيث بلغ من المشاركة في الشعر في المعركة وان صار وثيقة تاريخية هامة عند المؤرخين والباحثين والدارسين عند التسجيل لايام العرب وحروبها بل هو من اهم الوثائق في ذلك الميدان.

حيث تعدد القصائد ومشاركتها في الحرب ومشاركة قديمة وقد عرفت منذ العرب البائدة وقد وقفت عفيرة بنت عباد من جديس تنعي قومها استسلامها للظلم وايضا لهتك الحرمان وتستعديهم على طسم وتقول:
أيُحْمَلُ ما يؤتى إلى فتياتكم
وأنتم رجال فيكمُ عدد النملوتصبح تمشي في الدماء عفيرةٌ
عشيهً زُفَّتْ في النساء إلى بعل

ولو أننا كنَّا رجالا وكنتمُ
نساءً لكنا لا نقر بذا الفعل

فموتو كراما أو أميتوا عدوكم
ودُبّوا لنار الحرب بالحطب الجَزْل

وإلاّ فخَلُّو ا بطنها وتحمَّلوا
إلى بلد قفر وموتوا من الهزل

فللبينُ خيرٌ من تمادٍ على أذىً
وللموت خيرٌ من مقامٍ على الذلّ

وإن أنتم لم تغضبوا بعد هذه
فكونوا نساء لا تُعابُ من الكُحْل

ودونكمُ طيب العروس فإنما
خُلِقْتُم لأثواب العروس وللنسل

فبُعْداً و سُحقاً للذي ليس دافعا
ويختال يمشي بيننا مشيةَ الفحْلِ

الشعر الجاهلي والحرب

ان الشعر عند العرب مقرون دائما بالحروب والعديد من الوقائع ومنها ان الوقائع والاشعار كثير ما تردان مقترن في الكتب التراثية ويقول ابن سلام على سبيل المثال: “وكان قومٌ قلَّت وقائعهم وأشعارهم، فأرادوا أن يلحقوا بمن له الوقائع والأيام”، حيث يذهب بعضهم الى تعليل نشأة الشعرة العربي وذلك بالحاجة اليه في ذكر الوقائع والايام وايضا التغني بما يكون فيها من الامجاد والبطولات، حيث يقول ابن رشيق: “وكان الكلام كلُّه منثورًا، فاحتاجت العربُ إلى الغناء بمكارم أخلاقها، وطيب أعرافها، وذكر أيامها الصالحة، وأوطانِها النازحة، وفرسانها الأمجاد، وسُمَحَائها الأجواد؛ لتَهُزَّ أنفسها إلى الكرم، وتدُلُّ أبناءها على حسن الشيم، فتوهموا أعاريضَ جعلوها موازينَ الكلام”.

حيث كان الشعر لا يذكر الا في الحرب وايضا تكون النائرات التي بين القوم سبب في ازدهار وقوته، وذلك حتى ان القبائل العربية التي لن يكن بينها حروب ولم تعرف بالوقائع والايام ولم يزدهر فيها الاشعار، ويقول ابن سلام: “وإنَّما كان يكثر الشعرُ بالحروب التي بين الأحياء، نحو حرب الأوس والخزرج، أو قوم يغيرون ويُغَار عليهم، والذي قلل شعر قريش أنَّه لم يكن بينهم نائرة، ولم يُحاربوا، وذلك الذي قلل شعر عمان”، حيث لم يكن تصوير الشعر العربي للحرب وتصوير ساذج او سطحي على الاطلاق وقد كان في منتهى العمق والدقة وايضا صور كل صغيرة وكبيرة من الشؤون وحسناتها وسيئاتها ودوافعها وفواجعها وضرورتها والمآسي الناجمة عنها ومثلما حرض عليها دعا الى اجتنابها ومالم تكن حاجة اليها.

حيث سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عمرَو بن معدي كَرِب – شاعر العرب وفارسها – عن الحرب، فقال: “مُرَّة المذاق، إذا قلصت عن ساق، مَن صَبَرَ فيها عَرَف، ومَن ضَعُفَ عنها تَلِف، وهي كما قال الشاعر:

الحرب أول ما تكون فتية  تسعى بزينتها لكل جهول

حتى إذا استعرت وشب ضرامها  عادت عجوزا غير ذات خليل

شمطاء جزت رأسها وتنكرت مكروهة للشم والتقبيل

الشعراء الفرسان في الحرب والسلم الجاهلي

ان الواقع للقبائل العربية في الجاهلية كانت تعيش معيشة حربية، حيث انها اشبه ماتكون بكتائب تنزل للرعي ولكنها في الوقت نفسه تتجهز بالاسلحة الكاملة، حيث انها تدفع الخصوم عن مراعيها او تغير على غيرها وتسبي نساء، حيث تنهب اموال وتغنم غنائم وقد اشتهر بين العرب جماعة من الشعراء الفرسان وقد طار صيتهم بين القبائل، ولما اظهر من ضرب البطولة وما عرفوا به من مهارة الكر والفر، حيث كان لشعرهم دور كبير في المعارك ولايقل عن ذويهم الذين كانوا يمارسون بالسيف والسنان، حيث انه يلقانا في تاريخ العرب العديد من الاسماء لذلك الفرسان وايضا للقصص المثيرة عن البطولات النادرة، وذلك كالمهلهل بن ربيعة التغلبي فارس حرب البسوس، وهو الذي اشعل النيران لاخيه كليب.

ما أن تعدي المنون من أحد * لا والد مشفق ولا ولد

أخشى على أربد الحتوف ولا * أرهب نوء السماك والأسد

فعين هلا بكيت أربد إذ * قمنا وقام النساء في كبد

إن يشغبوا لا يبال شغبهم * أو يقصدوا في الحكوم يقتصد

حلو أريب وفي حلاوته * مر لصيق الأحشاء والكبد

وعين هلا بكيت أربد إذ * ألوت رياح الشتاء بالعضد

وأصبحت لاقحا مصرمة * حتى تجلت غوابر المدد

أشجع من ليث غابة لحم * ذو نهمة في العلا ومنتقد

لا تبلغ العين كل نهمتها * ليلة تمسى الجياد كالقدد

الباعث النوح في مآتمه * مثل الظباء الأبكار بالجرد

فجعني البرق والصواعق بالفا * رس يوم الكريهة النجد

والحارب الجابر الحريب إذا * جاء نكيبا وإن يعد يعد

يعفو على الجهد والسؤال كما * ينبت غيث الربيع ذو الرصد

كل بني حرة مصيرهم * قل وإن كثروا من العدد

إن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا *يوما فهم للهلاك والنفد

موضوع الحرب والسلم في الشعر الجاهلي، حيث ان شعر عنترة كله في الحرب وقد تغنى بشجاعته فيها، فهو فارس شهم ويقاتل لنجد قومه وذب العار عنهم ولا يقاتل للغنائم والاسلاب وهو مقدام الجسور في وقت تشدد فيه الحرب ويندر من يصبر على نارها،حيث تسائل الكثير عن موضوع الحرب والسلم في الشعر الجاهلي.