عفت ذات الأصابع فالجواء شرح القصيدة، قام الشاعر حسان بن ثابت بتقديم قصيدة بعنوان ذات الأصابع، ويُعرف الشاعر حسان بن ثابت بن المنذر الخزرجى الانصاري، من بنى النجار، يلقب بشاعر الرسول وشاعر الإسلام، وقد  حفظ الخزرج لشاعرهم حسان فضله، وقّدروا قدره في الدفاع عنهم، حيث كان لشعره دور يفوق دور  السيوف والرماح والفرسان، كما اشتهر حسان بمدح الغساسنة قبل الإسلام، وقد كانوا أوفياء له حتى بعد زوال ملكهم فكانوا يرسلون له  مكافأة سنوية حتى بعد اسلامه، وكما يطلق عليه صاحب الحياتين، حياة الجاهلية التي عاش فيها ستين عاما، وحياة الإسلام التي عاش فيها ستين عاما، ويتساءل البعض حول شرح قصيدة عفت ذات الأصابع فالجواء، للشاعر حسابن بن ثابت، وسنتعرف من خلال هذا المقال على عفت ذات الأصابع فالجواء شرح القصيدة.

أبيات قصيدة عفت ذات الأصابع بالجواء

عَفَت ذاتُ الأَصابِعِ فَالجِواءُ

إِلى عَذراءَ مَنزِلُها خَلاءُ

دِيارٌ مِن بَني الحَسحاسِ قَفرٌ

تُعَفّيها الرَوامِسُ وَالسَماءُ

وَكانَت لا يَزالُ بِها أَنيسٌ

خِلالَ مُروجَها نَعَمٌ وَشاءُ

فَدَع هَذا وَلَكِن مَن لَطيفٍ

يُؤَرِّقُني إِذا ذَهَبَ العِشاءُ

لِشَعثاءَ الَّتي قَد تَيَّمَتهُ

فَلَيسَ لِقَلبِهِ مِنها شِفاءُ

كَأَنَّ خَبيأَةٍ مِن بَيتِ رَأسٍ

يَكونُ مِزاجَها عَسَلٌ وَماءُ

عَلى أَنيابِها أَو طَعمُ غَصٍّ

مِنَ التُفّاحِ هَصَّرَهُ اِجتِناءُ

إِذا ما الأَشرِباتُ ذُكِرنَ يَوماً

فَهُنَّ لِطَيِّبِ الراحِ الفِداءُ

نُوَلّيها المَلامَةَ إِن أَلَمنا

إِذا ما كانَ مَغثٌ أَو لِحاءُ

وَنَشرَبُها فَتَترُكُنا مُلوكاً

وَأُسداً ما يُنَهنِهُنا اللِقاءُ

عَدِمنا خَيلَنا إِن لَم تَرَوها

تُثيرُ النَقعَ مَوعِدُها كَداءُ

يُبارينَ الأَسِنَّةِ مُصغِياتٍ

عَلى أَكتافِها الأَسَلُ الظِماءُ

تَظَلُّ جِيادُنا مُتَمَطِّراتٍ

تُلَطِّمُهُنَّ بِالخُمُرِ النِساءُ

فَإِمّا تُعرِضوا عَنّا اِعتَمَرنا

وَكانَ الفَتحُ وَاِنكَشَفَ الغِطاءُ

وَإِلّا فَاِصبِروا لِجَلادِ يَومٍ

يُعينُ اللَهُ فيهِ مَن يَشاءُ

وَقالَ اللَهُ قَد يَسَّرتُ جُنداً

هُمُ الأَنصارُ عُرضَتُها اللِقاءُ

لَنا في كُلِّ يَومٍ مِن مَعَدٍّ

قِتالٌ أَو سِبابٌ أَو هِجاءُ

فَنُحكِمُ بِالقَوافي مَن هَجانا

وَنَضرِبُ حينَ تَختَلِطُ الدِماءُ

وَقالَ اللَهُ قَد أَرسَلتُ عَبداً

يَقولُ الحَقَّ إِن نَفَعَ البَلاءُ

شَهِدتُ بِهِ وَقَومي صَدَّقوهُ

فَقُلتُم ما نُجيبُ وَما نَشاءُ

وَجِبريلٌ أَمينُ اللَهِ فينا

وَروحُ القُدسِ لَيسَ لَهُ كِفاءُ

أَلا أَبلِغ أَبا سُفيانَ عَنّي

فَأَنتَ مُجَوَّفٌ نَخِبٌ هَواءُ

هَجَوتَ مُحَمَّداً فَأَجَبتُ عَنهُ

وَعِندَ اللَهِ في ذاكَ الجَزاءُ

أَتَهجوهُ وَلَستَ لَهُ بِكُفءٍ

فَشَرُّكُما لِخَيرِكُما الفِداءُ

هَجَوتَ مُبارَكاً بَرّاً حَنيفاً

أَمينَ اللَهِ شيمَتُهُ الوَفاءُ

فَمَن يَهجو رَسولَ اللَهِ مِنكُم

وَيَمدَحُهُ وَيَنصُرُهُ سَواءُ

فَإِنَّ أَبي وَوالِدَهُ وَعِرضي

لِعِرضِ مُحَمَّدٍ مِنكُم وِقاءُ

فَإِمّا تَثقَفَنَّ بَنو لُؤَيٍّ

جَذيمَةَ إِنَّ قَتلَهُمُ شِفاءُ

أولَئِكَ مَعشَرٌ نَصَروا عَلَينا

فَفي أَظفارِنا مِنهُم دِماءُ

وَحِلفُ الحَرِثِ اِبنِ أَبي ضِرارٍ

وَحِلفُ قُرَيظَةٍ مِنّا بُراءُ

لِساني صارِمٌ لا عَيبَ فيهِ

وَبَحري لا تُكَدِّرُهُ الدِلاءُ

عفت ذات الأصابع فالجواء شرح القصيدة

في العام السابع من الهجرة عقد صلح الحديبية بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين قريش، على أن يدخل المسلمون مكة  للحج بعد عام ولكن قريشا نقضت العهد فجهز الرسول صلى الله عليه وسلم جيشا قويا لمحاربة المشركين، وفتح مكة. ولما كان الشعر في العصور القديمة هو وسيلة العالم العامة، فقد نزل ميدان الحرب، واستخدمته الأطراف  المتحاربة وأمر الرسول به، فقال: اهجهم يا حسان فإن شعرك أشد عليهم من وقع السيوف، لذلك انبرى  حسانصلى الله عليه وسلم يهجو قريشا، ويشيد ببطولة المسلمين، مهاجرين وأنصار وبشجاعتهم، ويعلن تصميمهم على  قتال المشركين وفتح مكة ما لم توافق قريش على دخول مكة، وأدائهم العمرة، ويرد على أبى سفيان بن  الحارث، الذي هجا النبي صلى الله عليه وسلم.

العاطفة المسيطرة على النص

عاطفة صادقة حارة منبعها، وحب النبي صلي الله عليه وسلم، واعتزازه بالإسلام، كما نلمح: (الإعجاب بخيول المسلمين وبسرعتها، الفخر بشجاعة المسلمين، السخرية اللاذعة من المشركين وتوبيخهم، السخرية والاستهزاء من أبي سفيان.)

الشرح الكامل للقصيدة

قال ابن هشام: قالها حسان قبل يوم الفتح. ويروى: لساني صارم لا عتب فيه بالتاء. وبلغني عن الزهري أنه قال: لما رأى رسول الله النساء يلطمن الخيل بالخمر، تبسم إلى أبي بكر. انتهى.

وقوله: عفت ذات الأصابع … إلخ، عفت: بمعنى: درست.

وذات الأصابع: موضع بالشام. والجواء، بكسر الجيم كذلك. قال السهيلي: وبالجواء كان منزل الحارث ابن أبي شمر. وكان حسان كثيراً ما يرد على ملوك غسان بالشام، يمدحهم، فلذلك يذكر هذه المنازل.

وعذراء، قال السكري في شرح ديوانه: قرية على بريد من دمشق، وبها قتل معاوية حجر بن عدي وأصحابه , قلت : والمعنى الأقرب : أن المقصود هو دار حبيبته شعثاء التي يتغنى بها .

وقوله: ديار من بني الحسحاس، بمهملات، قال السكري: الحسحاس بن مالك بن عدي بن النجار.

وقال السهيلي: بنو الحسحاس حب من بني أسد. قال السكري: والروامس: الرياح التي ترمس الآثار وتغطيها.

وقال السهيلي: يعني بالسماء المطر. والسماء لفظ مشترك يقع على المطر، وعلى السماء التي هي السقف. ولم تعلم ذلك من هذا البيت ونحوه ولا من قوله: الوافر

إذا سقط السماء بأرض قوم … رعيناه وإن كانوا غضابا

لأنه يحتمل أن يريد مطر السماء، فحذف المضاف، ولكن إنما عرفناه من قولهم في جمعه: سمي وأسمية، وهم يقولون في جمع السماء سماوات، فعلمنا أنه اسم مشترك بين شيئين.

وقوله: وكانت لا يزال بها .. إلخ، خلال ظرف بمعنى بين، خبر مقدم. ونعم: مبتدأ مؤخر. قال السهيلي: النعم: الإبل، فإذا قيل: الأنعام دخل فيها البقر والغنم. والشاء والشوي: اسم للجميع كالضأن والضئين، والإبل والأبيل، والمعز والمعيز. فأما الشاة فليست من لفظ الشاء، لام الفعل منها تاء.

وقوله: فدع هذا … إلخ، الطيف: الخيار. ويؤرقني: يسهرني، فإن قيل: كيف يسهره الطيف والطيف، حلم في المنام؟ فالجواب أن الذي يؤرقه لوعة يجدها عند زواله، كما قال الطائي: البسيط

ظبي تقنصته لما نصبت له … من آخر الليل أشراكاً من الحلم

ثم انثنى وبنا من ذكره سقم … باق وإن كان معسولاً من السقم

وقوله: لشعثاء التي … إلخ، شعثاء: بنت سلام بن مشكم اليهودي. وبيت: على أنيابها أو طعم غض إلخ، لم يورده ابن هشام في السيرة، ولهذا أنكره السهيلي.

وقوله: نوليها الملامة … إلخ، يقال: ألام، إذا أتى بما يلام عليه. يعني إن أتينا بما نلام عليه صرفنا اللوم إلى الخمر، واعتذرنا بالسكر. والمغث، بفتح الميم، وسكون الغين المعجمة بعدها مثلثة: الضرب باليد.

واللحاء: الملاحاة باللسان، يروى أن حسان مر بفتية يشربون الخمر في الإسلام، فنهاهم، فقالوا: والله لقد هممنا بتركها، فزينها لنا قولك:

ونشربها فتتركنا ملوكاً … البيت

فقال: والله لقد قلتها في الجاهلية، وما شربتها منذ أسلمت، ولذلك قيل: إن بعض هذه القصيدة، قالها في الجاهلية، وقال آخرها في الإسلام، وقوله: عدمنا خيلنا … إلخ، النقع: الغبار، وكداء، بالفتح والمد: الثنية التي في أصلها مقبرة مكة، ومنها دخل الزبير يومئذ، ودخل النبي من شعب أذاخر، وقوله: يبارين الأسنة … إلخ، مباراتها الأسنة: أن يضجع الرجل رمحه، فكان الفرس يركض ليسبق السنان، والمصغيات: الموائل المنحرفات المطعن. والأسل: الرماح. ورواية ابن هشام: ينازعن الأعنة مصغيات.

وقوله: تظل جيادنا … إلخ، المتمطرات: الخوارج من جمهور الخيل. قال ابن دريد في الجمهرة: كان الخليل يروي: ” يطلمهن بالخمر النساء ” ، وينكر يلطمهن، ويجعله بمعنى ينفضن النساء بخمرهن ما عليهن من غبار أو نحو ذلك. قال: والظلم: ضربك خبزة الملة بيدك لتنفض ما عليها من الرماد. والطلمة: الخبزة.

وقوله: فنحكم بالقوافي، أحكمه: كفه ومنعه. ومنه سمي القاضي حاكماً، لأنه يمنع الناس من الظلم.

قال جرير: الكامل

أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم … إني أخاف عليكم أن أغضبا

وقوله: ألا أبلغ أبا سفيان عني … إلخ، المغلغلة: الرسالة الذاهبة إلى كل بلد، من تغلغل، إذا ذهب.

وروى غير ابن هشام مصراعه الثاني كذا:

فأنت مجوف نخب هواء

والنخب، بفتح النون وكسر المعجمة: الجبان…

وقوله: هجوت محمداً، قال اللخمي: قال ابن دريد: أخبرنا السكن بن سعيد، عن عباد بن عباد، عن أبيه، قال: لما انتهى حسان إلى هذا البيت قال له النبي : ” جزاؤك على الله الجنة يا حسان ” .

ولما انتهى إلى قوله:

أتهجوه ولست له بكفء

قال من حضر: هذا أنصف بيت قالته العرب.

ولما انتهى إلى قوله:

فإن أبي ووالده وعرضي

قال : ” وقاك الله يا حسان حر النار ” .

وقوله:

فشركما لخيركما الفداء

قال السهيلي: في ظاهر هذا اللفظ شناعة لأن المعروف أن لا يقال: هو شرهما إلا وفي كليهما شر. وكذلك شر منك، ولكن سيبويه، قال: تقول: مررت برجل شر منك، إذا نقص عن أن يكون مثله. وهذا يدفع الشناعة عن الكلام الأول.

ونحو منه قوله عليه السلام: ” شر صفوف الرجال آخرها ” ، يريد: نقصان حظهم عن حظ الصف الأول، كما قال سيبويه. ولا يجوز أن يريد التفضيل في الشر.